الإرتفاع الهائل في أسعار السلع الإستهلاكية الأساسية في الأردن قبل شهر رمضان الفضيل بات خارج كل نطاق التنظيم والرقابة الحكومية ولا يخضع إلا للمعايير الداروينية للسوق، والتي يذهب ضحيتها المستهلك الأردني وهو يعاني من عجز كبير في التنظيم والعمل المنهجي دفاعا عن حقه. كل أطراف المعادلة الاقتصادية لها تنظيمات تدافع عن مصالحها. النقابات تدافع عن مصالح بعض المنتجين وأصحاب الخدمات، وهناك جمعيات قوية للقطاع الخاص تتدخل لتمارس قوة الضغط عند اتخاذ القرارات الاقتصادية، وحتى مربي المواشي يستطيعون إغلاق طريق المطار تعبيرا عن الغضب ودفاعا عن المصالح. من يدافع عن المستهلك في الأردن؟ هناك جمعية عريقة لحماية المستهلك تعمل منذ عدة سنوات ولكن بإمكانيات محدودة وتأثير لا يكاد يذكر مقارنة بتأثير قوى الضغط من القطاع الخاص. اشهر ما قامت به الجمعية من حملات كان عملية مقاطعة القهوة قبل عدة سنوات والتي أثبتت جدواها في نهاية الأمر من خلال تراجع المستوردين والتجار عن رفع الأسعار حماية لبضائعهم وتجارتهم. مثل هذا النمط من السلوك الجماعي الرافض من قبل المستهلك الأردني هو ما نحتاجه الآن. في الغابة المسماة اقتصاد السوق لا مكان للضعيف ولا بد للفئات الأقل تأثيرا أن تتجمع معا لممارسة التاثير الجماعي، ولهذا فإن المستهلك الأردني وهو الحلقة الأضعف في معادلة الاقتصاد يحتاج إلى منظمة ضغط قوية قادرة على حشد المستهلكين وشن حملات ذكية وموجهة ضد كل المنتجين ومقدمي الخدمات الذين يرفعون الأسعار ويتلاعبون بنظام السوق طالما أن الحكومة قررت الإنسحاب من هذا المجال. في معظم الدول المتقدمة وحتى النامية توجد قوانين لحماية المستهلك تمثل مرجعية تشريعية وقانونية لحماية المواطنين من تجاوزات اقتصاد السوق، وحتى الآن لم يتم إقرار مسودة قانون حماية المستهلك والتي واجهت التردد والرفض من الجهات التي تتخوف من تأثيرات هذا القانون على استمرار احتكارها وتلاعبها بجودة المنتجات الاستهلاكية وتوفرها بالأسعار المناسبة. ولكن يمكن أن ننظر للنصف الملئ من الكاس ونقول بأن القانون سوف يتم إقراره قريبا جدا في مجلس النواب القادم، آخذين بعين الإعتبار ألا يؤدي قانون الصوت الواحد وقوة البزنس السياسي إلى تكوين مجلس نواب أكثر قربا لحقوق المنتجين من حقوق المستهلكين. جمعية حماية المستهلك تحتاج إلى موازنة وخطة عمل وموارد تتناسب مع أهميتها ولا يمكن القبول باستمرار وضعها الحالي الذي يعتمد على المساعدات الحكومية البسيطة. أدعي بأنني أتابع عمل المنظمات غير الحكومية في الأردن منذ عدة سنوات ويمكنني أن اقول بثقة أن جمعية حماية المستهلك هي أهم هذه المنظمات قاطبة. ولكن وبكل اسف لم تحصل هذه المنظمة على تمويل من الدول المانحة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة وكندا ولا من منظمات الأمم المتحدة المختلفة طوال هذه السنوات، وهي نفس المنظمات والدول التي أنفقت مئات الملايين على مشاريع كان تأثير بعضها هامشيا وساهم في تقوية منظمات تعمل في مجالات لا تشكل أولوية كبيرة للمواطنين. وفي المقابل لم يقدم القطاع الخاص الأردني أي دعم لا لمنظمة حماية المستهلك ولا لأية منظمة أخرى إلا لأهداف الدعاية والترويج، ولهذا بقيت الجمعية غير قادرة على الخروج من دائرة البيانات والتصريحات التي لا تؤثر على صناعة القرار. المستهلك الأردني بحاجة إلى منظمة تدافع عن حقه وتضغط على المفاصل الرئيسية لصناعة القرار وتمارس الضغط المدني الديمقراطي على ديوان التشريع ومجلس النواب ووزارة المالية والصناعة والتجارة وغيرها من المؤسسات الهامة التي تصنع التشريع والقرار في الأردن. المستهلك بحاجة إلى منظمة قادرة على تنظيم حملات مقاطعة أو مواجهة لكل المنتجين والمستوردين ومقدمي الخدمات الذين يرفعون الأسعار تعسفا أو يقدمون خدمة رديئة أو لا يكشفون التفاصيل الحقيقية للمنتج وخاصة في مجالات السلامة والصحة العامة وحماية البيئة والإعلانات الخادعة. مثل هذه المنظمة يجب ايضا أن تتمتع بعضوية خبراء اقتصاديين وتنمويين قادرين على تقديم تحليلات اقتصادية بديلة للطروحات التي تقدمها الحكومة والقطاع الخاص. مشكلتنا في الأردن أننا نبقى رهائن لنظريات ومعلومات تطرحها الحكومة لتبرير بعض السياسات والقطاع الخاص لتبرير جرائم اقتصاد السوق، ولا توجد إلا القليل من الجهود العلمية الدقيقة التي تحفر عميقا في جوهر القضايا الاستهلاكية وتقدم الوقائع التي تثبت تهافت بعض الخطابات الاقتصادية التي تبرر داروينية اقتصاد السوق وتتجاهل الأبعاد الاجتماعية لهذا الاقتصاد. من المهم أيضا تقديم التوعية للمستهلكين حول أولويات الاستهلاك والتخلص من العادات الاستهلاكية السلبية مثل تزايد الإنفاق على الكماليات والتركيز على التخطيط الاقتصادي العائلي الذي يستهدف الصحة والتعليم والطاقة لا الاستهلاك الكمالي. ولكن عنصر النجاح الرئيسي لجمعية حماية المستهلك عو العضوية العامة للمواطنين مما يتطلب حملة توعية وترويج شاملة لزيادة العضوية مقابل رسوم إشتراك رمزية وتحسين الخدمات المقدمة للمستهلكين وتقوية دور حملات الضغط الشعبية والإعلامية وخاصة في هذه الفترة الحرجة من التحولات الاقتصادية الأردنية التي تهدد مكتسبات الطبقة الوسطى وتقلل من فرص النجاح والتطور للفقراء والتي تظهر في هذا الغلاء الهائل في اقتصاد السوق الاستهلاكي.
الثلاثاء, 15 ابريل, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية







